السيد محمد حسين فضل الله

17

من وحي القرآن

البارد ثالثة ، والخفيف البعيد رابعة . . ويتطلع إلى هذه الأعداد الهائلة من النجوم التي لا تعدّ ولا تحصى ، ويحار في طبيعتها وفي طبيعة القوانين التي تحكمها ، ويدفعه الخيال إلى تصوّر الكثير من الصور والتهاويل والأفكار التي قد تلامس الحقيقة قليلا ، وتبتعد عنها كثيرا . . . ويتعمق فيها بالنظرة العلمية العميقة الواسعة ، فيصيبه الذهول والشرود عندما يتطلع إلى هذه الأكوان السابحة في الفضاء ، المرتكزة على قوانين كونيّة غامضة لم يصل الإنسان إلى اكتشاف أسرارها ، بل كل ما هناك أنه وضع يديه على البعض القليل منها ، وما يزال يبحث ويسعى للوصول إليها ، بالرحلات الفضائية تارة ، وبالمناظير المكبّرة أخرى ، وبالتحاليل العلمية التي تتأرجح بين الشك واليقين ثالثة . وتمتلئ النفس بمشاعر الدهشة والعظمة والتضاؤل أمام هذه الأكوان الشاسعة المترامية . . ويعود الإنسان إلى الأرض التي سخرها اللَّه ومهدها له ، وجعلها في متناول يده بأنهارها ، وبحارها ، وجبالها ، وسهولها ، ومعادنها ، وثرواتها ، وأشجارها ، وخضرتها الممتدة التي تحمل إليه من كل الأزواج المتنوعة من الخضر والفواكه وغيرها . . وحيواناتها السابحة في الماء ، والطائرة في الفضاء ، والمتحركة في كل صعيد ، والسارحة في أعماق الأرض . . وإنسانها الذي يتميز بكل خصائص العقل والقدرة والإرادة والحركة المتغيّرة . . وغير ذلك مما أودعه اللّه في سطح الأرض وعمقها ، مما يحار فيه الفكر ويشرد فيه الخيال ، ويخشع له العلم أمام ما يكتشفه من قوانين وأسرار دقيقة أودعها اللّه في سننه الحتمية التي تحكم المادّة ، وتتحكم في حركة الإنسان الفردية والاجتماعية . . ثم يكتشف هذا الإنسان أن هذه الأرض المترامية الأطراف التي لا يبلغ مداها ، ليست إلّا ذرّة صغيرة سابحة في الفضاء ، فيحسّ بالعظمة الكبيرة لذلك كله ، وينطلق الفكر بعد ذلك مع القرآن ليتطلع إلى خالق السماوات والأرض ، فلا يملك إلا أن يخشع ويخضع ويتضاءل ويشعر